ثمة تركة عظيمة امتازت بها الارض اليمنية، ومنحت البلد سمعة تاريخية منذ القدم. إنها الزراعة التي برع الفلاح اليمني بتطوير تقنياتها وتطويع الأرض بخصوصية مدهشة. كان اسم اليمن قديماً يرتبط باحتكار شجر اللبان والمُر، والعنب، وكذلك البن.
لكن اليمن في القرن العشرين، -وبرغم انه لم يعد كما السابق- إلا أنه عاد للحضور الزراعي، ليطور فلاح يمني صنف جديد من المحاصيل التي لم يكن يعرفها الناس في العالم العربي، وإليكم ما حدث بالضبط.
في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، استطاع الفلاح اليمني، صالح محفوظ بافطيم، إبتكار بذور فائقة الجودة من البصل، أنتج منها لأول مرة على مستوى منطقة الشرق الأوسط محصول البصل ذو اللون الأحمر، والأبيض، ومن ثم البصل الأصفر، والذي أطلق عليه اسمه، بعد تسجيله عربياً كبراءة ابتكار باسم (بصل بافطيم BAFTAIM).
الفلاح صالح بافطيم في سطور
ولد صالح محفوظ بافطيم، في العام 1928، في مدينة سيئون، التابعة لمحافظة حضرموت شرق اليمن، وعرف عنه حبه للأرض وعشقه لمهنة الزراعة بصورة لافتة. تزوج بافطيم في مطلع شبابه، وأنجب 9 من الأبناء، منهم 3 ذكور و6 بنات. اشتغل بفلاحة الأرض كمهنة متوارثة، واكتسب الرجل خبرة استثنائية طيلة نصف قرن، لينجح بعدها في تطوير أصناف بذور جديدة من المحاصيل الغذائية أهمها البصل، والقمح، والنخيل، وعُـرف عنه نبل أخلاقه بين أصدقائه وزملائه المزارعين.
عاش بافطيم في سيئون، حياة بسيطة يحركها النشاط وحب الأرض، ولم يعرف أنه سيبتكر ذات يوم أفضل أنواع البصل على مستوى العالم العربي. وقد فعل ذلك بمجهوده الشخصي، وخبرته الطويلة، وبموهبته الفذة وحبه للأرض والزراعة.
لا أحد يدري بالضبط كيف استطاع الفلاح بافطيم التوصل بعبقرية لابتكار بذور هذا الصنف من البصل الأحمر الذي لم يكن يعرفه كل الفلاحين في المنطقة العربية. فبمجرد اكتشاف بافطيم لهذا الصنف من بذور البصل، بعد زراعته بمزرعته، وحصوله على محصول بصل فائق الجودة من حيث الطعم ومقاومته للأمراض، وطول فترة بقائه باستدامة. قام بالتقدم به للجهات الزراعية المختصة في سيئون، ليخضع -بصل بافطيم- لاختبارات عديدة من قبل المهندسين الزراعيين في محطة البحوث الزراعية في مدينة سيئون، وكانت النتيجة مدهشة للغاية، في جودة بصل بافطيم وجدوى انتاجه، ومقاومته للتلف. وهو يتفوق عربياً على كل الأصناف.
بافطيم يبتكر 4 أصناف من البصل تنتشر خارج الحدود
استطاع الفلاح بافطيم من خلال تجاربه الطويلة، ابتكار أربعة أصناف من البصل، أطلقت عليها الأسماء التالية: بصل بافطيم الأحمر المُحسّـن رقم 1، وبصل بافطيم الأحمر المُحسّـن رقم 2. وبصل بافطيم الأصفر، وبصل بافطيم الأبيض.
بذور بصل بافطيم المحسنة ذو اللون الأحمر، لها إنتاجية عالية وهي متجانسة الشكل واللون والحجم، وتعد أبصالها كروية الشكل، وهي مقاومة للازدواج، وأقل قابلية للإزهار الحولي، ومقاومة للأمراض، وتتميز بذور بصل بافطيم بمقدرة تخزينية عالية تمتد إلى حوالي تمتد من 6 أشهر – 12 شهر، حتى تحت ظروف الخزن المكشوف. في حين ان بذور بصل بافطيم الأصفر، مماثلة في مميزاتها للصنف الأحمر.
ويذكر أن “هناك عدد من الدول العربية قامت بزراعة بصل بافطيم في بلدانها، منها: سلطنة عمان، ومصر، والسودان، سوريا، والصومال، بالإضافة لبعض الهيئات والجمعيات الزراعية في بلدان عربية. ووجدت أن إنتاجيته عالية، لان بصل بافطيم يصنف ضمن أنواع البصل التي تصلح للتصدير نظراً لقدرته الطويلة على التخزين مقارنة بالأنواع الأخرى”.
بصل بافطيم يحوز براءة اختراع
نتيجة لجدارة الابتكار، حاز (بصل بافطيم) على جوائز عدة، أبرزها جائزة الإبداع العلمي من المنظمة العربية للتنمية الزراعية (التابعة لجامعة الدول العربية) في العام 1998، والتي صنفته كأحسن صنف لبذور البصل على مستوى دول الوطن العربي. وصار اليوم اسم بافطيم ذائع الصيت أمام المحافل الزراعية العربية والاقليمية، باعتباره الفلاح الأول الذي ابتكر بذوراً أنتجت البصل الأحمر (بصل بافطيم) ذو الجودة العالية على مستوى المنطقة العربية.
وتفيد وزارة الزراعة اليمنية، ان صنف (بصل بافطيم) هو عصارة جهد لسنوات طويلة، للفلاح الكبير المعروف بتجاربه، وخبراته، صالح بافطيم، وقد قامت هيئة البحوث الزراعية في سيئون، بتطوير زراعته، وتسجيله، وحصل (بصل بافطيم) على جائزة الإبداع العلمي من المنظمة العربية للتنمية الزراعية في العام 1998.
لقب رسمي وتكريم حكومي
ونتيجة ذلك، حصل صالح بافطيم على لقب رسمي على مستوى اليمن. إذ صار يدعى بلقب (الفلاح اليمني الأول) نتيجة حصوله وتكريمه على العديد من الشهادات التكريمية من الجهات الرسمية المحلية، ومن منظمات زراعية غير حكومية إقليمية. كما كرمته وزارة الزراعة اليمنية، ولاقى دروعاً وشهادات تقديرية من معظم الهيئات والمؤسسات الزراعية والصناعية في اليمن. وفي العام 2006، نال بافطيم جائزة الصناعة من وزارة الصناعة والتجارة اليمنية.
وطبقاً للموقع الرسمي للسلطة المحلية محافظة حضرموت، حاز بافطيم على تكريم رئاسي، إذ قام الأخير بزيارة الى مزرعة بافطيم في سيئون، ووجه السلطة المحلية بحفر بئر للمياه، ومنحه حراثة زراعية، ووجه بتوسيع مزرعة بافطيم المتواضعة، ومنحه عدد من الفدانات الإضافية، بصفته فلاح يمني غير عادي، وذو قدرات خارقة في التعامل مع استنباط واستزراع وإكثار ليس فقط بذور البصل التي تحمل اسمه، بل أيضا لتطويره لأصناف القمح، والطماطم، والذرة الرفيعة، التي تزرعها المنطقة، بالإضافة الى نجاح بافطيم في استزراع فسائل النخيل المستنبتة بالأنسجة.